حوار مع الجراح والباحث صهيب أحمد
شهد قطاع الرعاية الصحية في الشرق
الأوسط خلال العقود الأخيرة تحولًا لافتًا، انتقل فيه من مرحلة بناء الأنظمة
الصحية الأساسية إلى الاستثمار في المراكز الطبية المتخصصة، والتعليم الطبي،
والبحث العلمي، والتقنيات الحديثة. واليوم، أصبحت العديد من دول المنطقة تمتلك
مستشفيات ومراكز بحثية تنافس نظيراتها عالميًا، وتستقطب المرضى والكوادر الطبية من
مختلف أنحاء العالم.
ورغم هذا التقدم، لا يزال العنصر
الأهم في استمرار هذه النهضة هو الإنسان؛ فبناء الأنظمة الصحية لا يعتمد على
المباني والأجهزة فحسب، بل على العقول التي تقودها وتطورها.
وفي هذا السياق، أجرينا هذا
الحوار مع الجراح والباحث صهيب أحمد، الذي يدعو باستمرار إلى تعزيز
دور الكفاءات العربية في نهضة القطاع الصحي، وإلى إعادة ربط الأجيال الجديدة
بتاريخ المنطقة العلمي وحضارتها.
سؤال: كيف تنظرون إلى واقع
الرعاية الصحية في الشرق الأوسط اليوم؟
صهيب أحمد:
لا شك أن ما تحقق خلال السنوات الماضية يدعو إلى التفاؤل. فقد استثمرت دول عديدة
في بناء مستشفيات حديثة، وإنشاء مراكز متخصصة، وتطوير برامج التعليم والتدريب
الطبي، كما ازداد الاهتمام بالبحث العلمي والابتكار. هذه الإنجازات لم تأتِ من
فراغ، وإنما كانت نتيجة رؤية واضحة وإيمان بأن صحة الإنسان هي أساس التنمية.
لكنني أؤمن بأن المرحلة القادمة
لا تتعلق ببناء المزيد من المستشفيات فحسب، بل ببناء المزيد من العلماء والباحثين
والقادة في المجال الصحي.
سؤال: يعمل آلاف الأطباء والعلماء
من أبناء المنطقة في أوروبا وأمريكا ودول أخرى. ما رسالتكم لهم؟
صهيب أحمد:
رسالتي بسيطة. أينما كنتم، لا تنسوا أوطانكم. ليس المطلوب من الجميع أن يعودوا
بصورة دائمة، فلكل إنسان ظروفه، ولكن يمكن لكل واحد منا أن يقدم شيئًا لبلده؛
بالتدريب، أو البحث العلمي، أو نقل الخبرات، أو دعم الجامعات، أو الإشراف على
الباحثين الشباب، أو المشاركة في بناء برامج تعليمية حديثة.
إن الأمم لا تبنى بالموارد وحدها،
وإنما تبنى بعقول أبنائها. وإذا اجتمع العلم الذي اكتسبناه في الخارج مع الطموح
الموجود في أوطاننا، فإن المستقبل سيكون مختلفًا.
سؤال: كثيرًا ما تتحدثون عن تاريخ
المنطقة العلمي، لماذا؟
صهيب أحمد:
لأن من يعرف تاريخه ينظر إلى المستقبل بثقة. الشرق الأوسط لم يكن يومًا على هامش
الحضارة الإنسانية، بل كان أحد أهم مراكزها. فمن هذه المنطقة خرج علماء أسهموا في
تأسيس الطب والجراحة والصيدلة والرياضيات والفلك والكيمياء.
أسماء مثل ابن سينا،
والزهراوي، وابن النفيس، والرازي، والحسن بن الهيثم لم
تكن شخصيات محلية، بل كانت مرجعًا للعالم لقرون طويلة، واعتمدت الجامعات الأوروبية
على مؤلفاتهم في التعليم الطبي والعلمي. هذا الإرث ليس للتفاخر بالماضي، بل
ليذكرنا بأن الإبداع جزء من هويتنا، وأن بإمكاننا أن نكون من صناع المستقبل كما
كنا من صناع التاريخ.
سؤال: ما الذي يحتاجه الشرق
الأوسط اليوم ليستمر في هذا التطور؟
صهيب أحمد:
نحتاج إلى الاستثمار في الإنسان قبل أي شيء آخر. التعليم، والبحث العلمي، والتعاون
بين الجامعات، ودعم الباحثين الشباب، وتبادل الخبرات بين دول المنطقة، كلها عناصر
أساسية. كما نحتاج إلى تشجيع ثقافة الابتكار، وعدم الاكتفاء باستيراد المعرفة، بل
إنتاجها.
وأعتقد أن التعاون بين الدول
العربية ودول الشرق الأوسط في مجالات البحث والتدريب سيكون من أهم عوامل النجاح
خلال السنوات المقبلة.
سؤال: ما الرسالة التي تودون
توجيهها إلى الشباب؟
صهيب أحمد:
لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن سقف أحلامكم محدود. تعلموا في أفضل الجامعات، واكتسبوا
الخبرات أينما وجدتم، ولكن تذكروا دائمًا أن أوطانكم تستحق جزءًا من هذا العلم. قد
يكون هذا الجزء بحثًا علميًا، أو مشروعًا صحيًا، أو تدريبًا، أو حتى كلمة تشجيع
لطالب طب في بداية طريقه.
إن مستقبل الشرق الأوسط لن يصنعه
السياسيون وحدهم، بل سيصنعه الأطباء، والعلماء، والمهندسون، والمعلمون، وكل شاب
يؤمن بأن خدمة وطنه مسؤولية وشرف.
ختامًا
إن النهضة الصحية التي يشهدها
الشرق الأوسط اليوم تمثل فرصة تاريخية لبناء أنظمة صحية أكثر كفاءة واستدامة،
لكنها في الوقت ذاته تضع مسؤولية كبيرة على عاتق أبناء المنطقة في الداخل والخارج.
فالعلم لا يعرف حدودًا، لكنه يكتسب قيمته الحقيقية عندما يسهم في خدمة الإنسان
والمجتمع.