رحلة الجيش اللبناني من الانقسام إلى التوحيد.. حين أصبح في البلاد أكثر من جيش
يُعد الجيش اللبناني اليوم المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة، إلا أن تاريخه شهد واحدة من أصعب المراحل خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، عندما انقسمت وحداته على أسس طائفية وسياسية، وأصبحت البلاد تضم أكثر من قوة عسكرية تتنازع النفوذ والشرعية.
🇱🇧 بداية الانقسام
مع اندلاع الحرب الأهلية في أبريل/نيسان 1975، حاول الجيش اللبناني الحفاظ على حياده، لكنه واجه ضغوطًا متزايدة نتيجة الانقسام السياسي والطائفي في البلاد. ومع اتساع رقعة القتال، بدأت بعض الوحدات العسكرية تنحاز إلى أطراف مختلفة، بينما انشق ضباط وجنود عن المؤسسة.
وفي عام 1976، أصبح الجيش عمليًا منقسمًا إلى تشكيلات متعددة، ما أدى إلى تراجع قدرته على فرض الأمن على كامل الأراضي اللبنانية.
⚔️ أكثر من جيش على الأرض
خلال سنوات الحرب، لم يعد السلاح مقتصرًا على الجيش الرسمي، بل برزت قوى عسكرية عديدة، منها:
- الميليشيات التابعة للأحزاب اللبنانية التي سيطرت على مناطق مختلفة.
- منظمة التحرير الفلسطينية، التي كان لها وجود عسكري في أجزاء من لبنان قبل عام 1982.
- الجيش السوري، الذي دخل لبنان عام 1976 وبقي فيه لسنوات طويلة.
- الجيش الإسرائيلي، الذي اجتاح جنوب لبنان عام 1978 ثم شن اجتياحًا واسعًا عام 1982 وأقام منطقة أمنية في الجنوب حتى عام 2000.
- لاحقًا، برزت قوى مقاومة، أبرزها حزب الله، الذي تأسس في الثمانينيات.
أدى هذا المشهد إلى وجود عدة جيوش وقوى مسلحة تعمل في الوقت نفسه، لكل منها مناطق نفوذ وأهداف مختلفة.
🕊️ إعادة بناء المؤسسة العسكرية
مع توقيع اتفاق الطائف عام 1989، الذي وضع إطارًا لإنهاء الحرب الأهلية، بدأت عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة، وكان توحيد الجيش أحد أهم الأولويات.
وفي عام 1990، وبعد انتهاء المعارك الكبرى، أُعيد دمج الوحدات المنقسمة داخل مؤسسة عسكرية واحدة، مع التركيز على جعل الجيش مؤسسة وطنية تضم أفرادًا من مختلف الطوائف والمناطق.
🛡️ الجيش بعد الحرب
منذ إعادة توحيده، تولى الجيش اللبناني مهام:
- حفظ الأمن الداخلي بالتعاون مع القوى الأمنية.
- حماية الحدود البرية والبحرية.
- مكافحة التنظيمات المسلحة والجماعات الإرهابية.
- المشاركة في عمليات الإغاثة والاستجابة للكوارث.
ورغم الأزمات الاقتصادية والسياسية التي شهدها لبنان في العقود الأخيرة، ظل الجيش يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره إحدى المؤسسات الوطنية الأساسية التي حافظت على تماسكها.
تحديات مستمرة
لا تزال المؤسسة العسكرية تواجه تحديات كبيرة، منها:
- الأزمة الاقتصادية التي أثرت في رواتب العسكريين وتجهيزاتهم.
- التوترات الأمنية على الحدود، خاصة مع إسرائيل وسوريا.
- استمرار وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة، وهو ملف يمثل أحد أبرز القضايا السياسية والأمنية في لبنان.
الخلاصة
تجربة الجيش اللبناني خلال الحرب الأهلية تُظهر كيف يمكن للصراعات الداخلية أن تؤدي إلى تفكك المؤسسات الوطنية. لكن إعادة توحيده بعد اتفاق الطائف شكّلت خطوة أساسية في استعادة مؤسسات الدولة، رغم استمرار تحديات أمنية وسياسية معقدة تجعل ملف السلاح ودور المؤسسات العسكرية من أكثر القضايا حساسية في لبنان حتى اليوم.
